الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
300
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والأرض . والمجتمع الإنساني الذي هو جزء صغير في كيان هذا الوجود الكبير ، لا يقوى أن يخرج عن قانون العدل ، ولا يمكن تصور مجتمع ينشد السلام يحظى بذلك دون أن تستند أركان حياته على أسس العدل في جميع المجالات . ولما كان المعنى الواقعي للعدل يتجسد في جعل كل شئ في مكانه المناسب ، فالانحراف والإفراط والتفريط وتجاوز الحد والتعدي على حقوق الآخرين ، ما هي إلا صور لخلاف أصل العدل . فالإنسان السليم هو ذلك الذي تعمل جميع أعضاء جسمه بالشكل الصحيح ( بدون أية زيادة أو نقصان ) . ويحل المرض فيه وتتبين عليه علائم الضعف والخوار بمجرد تعطيل أحد الأعضاء ، أو تقصيره في أداء وظيفته . ويمكن تشبيه المجتمع ببدن إنسان واحد ، فإنه سيمرض ويعتل إن لم يراع فيه العدل . ومع ما للعدالة من قدرة وجلال وتأثير عميق في كل الأوقات - الطبيعية والاستثنائية - في عملية بناء المجتمع السليم ، إلا أنها ، ليست العامل الوحيد الذي يقوم بهذه المهمة ، ولذلك جاء الأمر ب " الإحسان " بعد " العدل " مباشرة ومن غير فاصلة . وبعبارة أوضح : قد تحصل في حياة البشرية حالات حساسة لا يمكن معها حل المشكلات بالاستعانة بأصل العدالة فقط ، وإنما تحتاج إلى إيثار وعفو وتضحية ، وذلك ما يتحقق برعاية أصل " الإحسان " . وعلى سبيل المثال : لو أن عدوا غدارا هجم على مجتمع ما ، أو وقعت زلزلة أو فيضان أو عواصف في بعض مناطق البلاد ، فهل من الممكن معالجة ذلك بالتقسيم العادل لجميع الطاقات والأموال ، وتنفيذ سائر القوانين العادية ؟ ! هنا لابد من تقديم التضحية والبذل والإيثار لكل من يملك القدرة المالية ، الجسمية ،